اخترنا لكمساحة للاختلاف

الشاعر الدكتور وليد القماش يكتب عن: سكارى اللذة والعذاب

يقول ناجي في قصيدة غرباء والتى غنتها كوكب الشرق لاحقا ضمن أغنية الأطلال…

هل رأى الحب سكارى مثلنا … كم بنينا من خيال حولنا ..

إن هذه الصورة المجازية للسكارى نتاج تعاطي الحب اللذيذ والنشوة المفرطة للقاء المحبوب تقع في الذهن موقعا تصويريا مشهورا للتعبير عن سعادة لا توفيها أبجديةُ اللفظِ حقها، و لا تضاهي عمق بهجتها في تمكنها من مكنون الإدراك مثيلاتها.

بيد أن الله يقول في وصف لمحة من هول اليوم الآخر في محكم قوله من سورة الحج:

“وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”

حيث تستخدم الآية نفس مفردات النشوة السابقة في تصوير غاية المتعة وانفجار اللذة ولكن هذه المرة لتصف عذابا مفرطا وفزعا طاغيا في صدمة لغوية استثنائية تزلزل جسد المتلقي بعد أن تدغدغ فؤاده.

هل يكون نفس المشهد من ردة الفعل للحالة وعكسها؟

لقد استجاب الإدراك الإنساني لمؤثرين متناقضين بشكل ملتبس، فبدا الظلام في أقصى نهاياته يشابه الصبح في آخر نهايته.

إن آضاد الصفات حين تشتد مكنوناتها في الإدراك الإنساني تلتقي ظاهراتها في ردة الفعل وتتشابه الدلالات عليه فيلتبس الوصف.

فالسكر من نشوة اللذة والبهجة يتجاوب كردة فعل تتماثل مع نظيرتها للسكر من فرط العذاب والفزع فهما صنوان في ظاهر الوصف ضدان في مكنون الإدراك والتأثير.

ولا غرابة في ذلك فأبو الطيب المتنبي قد ثنّى على ذلك حين قال:

لا تحسبوا رقصي بينكم طربا … فالطير يرقص مذبوحا من الألم

أو في موضع آخر:

إذا رأيت أنياب الليث بارزة … فلا تحسبن الليث يبتسمُ

فالبسم والغضب التبسا مرة أخرى فصار سيان بروز الأسنان في الغضب الشديد كما في الرضا والضحك.

فكيف يمكن أن نفهم هذه المدارات الكروية التي تتصل فيها الحالات بنقيضاتها في ظاهر تجاوب رد فعل الادراك الإنساني كأنها دوائر متصلة تقود كل صفة وحالة إلى نقطة الأصل كلما غالينا وافرطنا فيه.

وكيف يكون الدمع الذي هو أيقونة للحزن الصراح هو في ذات الوقت قرة العين في موضع الفرح، وذلك  في تعبير متصل للإدراك ينطلق بالتجاوب مع الحدث عند اقصى جموح ليسجل نفس التجاوب مع نقيض نفس الحدث دون اختلاف يُرى.

فامرأة العزيز تسجن محبوبها الذى شغفها عشقا، فماذا كان يصنع الكاره ليوسف غير ذلك لو كان مكانها؟ إنها تسجنه مشابها لما توعد به فرعون موسى في أقصى حالات العدائية و البغض قائلا: “لتكونن من المسجونين”.

الشاهد إن للصفات والأحوال في الإدراك الإنساني حدود يتميز فيها تجاوب المُدرِك مع الحدث بما لا لبس فيه فإن زاد وأفرط تتلاشى معالم الحالة المميزة له وتشتبه مع ضدها.

فقد صدق الحق حين أرشد إلى معادلة الاتزان في الانفعال تجاه الاحداث حين قال: “لكي لا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما أتاكم”.

فقد قيد جامح الانفعال وأمر بالاقساط في همجية الإدراك فكان الوسط و الاعتدال، فليس كل قيد مذموم وليس كل مطلق حر محمود.

فالسفين لا ترسو حتى تقيد بالميناء والخيمة في حريتها بلا قيد لها ما يجعل الريح تذهب بها.

اظهر المزيد

خاص - بلاحدود

منصة ثقافية إعلامية خدمية تهدف إلى إثراء المحتوى العربي على الانترنت، وذلك وفق ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي، وما نشأنا عليه من أخلاقيات وقيم وما حثتنا عليه الديانات السماوية المختلفة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: